بقلم الباحث الدكتور صلاح خيراني

الأحداث التي تطرأ على المجتمع والأمة قد لا تُحمل محمل الجد في وقتها أو في الفترة القريبة من وقوعها، إلى أن تستدعي الحاجة الملحّة إلى استحضارها بعد أمد طويل، وقد تكون الدروس والعِبر المستمدة من تلك الأحداث التي مرّ عليها الزمن في غاية الأهمية، إلا أنها لا تجدي نفعًا نتيجة عدم الأخذ بها في وقتٍ أبكر، كان استحضارها فيه وقايةً نافعة.
كنتُ قبل خمس سنوات قد كتبتُ مقالًا تاريخيًا درستُ فيه مساعي الدولة العثمانية في سبيل مساعدة مسلمي الأندلس الموريسكيين (1486-1571م) في ضوء وثائق الأرشيف العثماني (The efforts of the Ottoman Empire in order to help the Moriscos Muslims of Andalusia (1486-1571 AD) In light of the documents of the Ottoman archives)، وقد سلّطتُ فيه الضوء على عدة جوانب، أهمّها الرسالة التي بعث بها أهالي الأندلس الموريسكيون إلى السلطان العثماني بايزيد الثاني سنة 1486م، التي تحدثوا فيها عن خيانة سلطان مراكش لهم، وعدم المبالاة التي أظهرها تجاههم سلطان المماليك في مصر، الذي راح يعدد لرسولهم قوته وقدرة جيشه وسفنه، وفي الأخير طلع كلامه صفرًا على صفر.
لا أريد الإطالة في هذا الخصوص، فالمقال موجود لمن أراد الاطلاع وفهم خيوط التاريخ ليفهم حاضر أمتنا.
الذي أردتُ أن أشير إليه في مقالي هذا هو تلك المرثية التي تلاها رسل الأندلسيين الموريسكيين أثناء تسليمهم رسالة الاستغاثة إلى السلطان بايزيد الثاني، وهذه المرثية كان قد كتبها الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي قبل ما يزيد عن قرنين من زمن السلطان بايزيد الثاني، تحديدًا سنة 1267م، يصوّر فيها الشاعر بكل حزن وألم سقوط مدن الأندلس واحدةً تلو الأخرى، ومحاولة محو حضارتها وطمس هويتها وإحلال الصليب بدل الهلال. وأوردها لكم كاملةً كالتالي:
لكل شيء إذا ما تم نقصانُ
فلا يُغرَّ بطيبِ العيشِ إنسانُ
هي الأمورُ كما شاهدتها دولٌ
من سرّهُ زمنٌ ساءتهُ أزمانُ
وهذه الدارُ لا تُبقي على أحدٍ
ولا يدومُ على حالٍ لها شانُ
يمزّقُ الدهرُ حتمًا كلّ سابغةٍ
إذا نبت مشرفياتٌ وخرصانُ
وينتضي كلّ سيفٍ للفناءِ ولو
كان ابن ذي يزنٍ والغمد غمدانُ
أين الملوكُ ذو التيجانِ من يمنٍ
وأين منهم أكاليلٌ وتيجانُ؟
وأين ما شاده شدادٌ في إرمٍ
وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ؟
وأين ما حازه قارونُ من ذهبٍ
وأين عادٌ وشدادٌ وقحطانُ؟
أتى على الكلّ أمرٌ لا مردّ له
حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
وصار ما كان من ملكٍ ومن ملكٍ
كما حكى عن خيالِ الطيفِ وسنانُ
دار الزمانِ على دارا وقاتله
وأمّ كسرى فما آواهُ إيوانُ
كأنما الصعبُ لم يسهل له سببٌ
يومًا ولا ملكتْ كفّاهُ إنسانُ
فجائعُ الدهرِ أنواعٌ منوعةٌ
وللزمانِ مسراتٌ وأحزانُ
وللحوادثِ سلوانٌ يسهلها
وما لما حلَّ بالإسلامِ سلوانُ
دهى الجزيرةَ أمرٌ لا عزاء له
هوى له أحدٌ وانهدَّ ثهلانُ
أصابها العينُ في الإسلامِ فارتزأتْ
حتى خلتْ منهُ أقطارٌ وبلدانُ
فاسأل بلنسيةَ ما شأن مرسيةٍ
وأين شاطبةٌ أم أين جيّانُ؟
وأين قرطبةٌ دارُ العلومِ فكم
من عالمٍ قد سما فيها له شانُ
وأين حمصُ وما تحويه من نزهٍ
ونهرها العذبُ فياضٌ وملآنُ
قواعدٌ كنّ أركانَ البلاد فما
عسى البقاءُ إذا لم تبقَ أركانُ؟
تبكي الحنيفيةُ البيضاءُ من أسفٍ
كما بكى لفراقِ الإلفِ هيمانُ
حيث المساجدُ قد أضحتْ كنائسَ
ما فيها إلا نواقيسٌ وصلبانُ
حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ
حتى المنابرُ ترثي وهي عيدانُ
يا غافلاً وله في الدهر موعظةٌ
إن كنت في سنةٍ فالدهر يقظانُ
وماشيًا مرحًا يلهيه موطنهُ
أبعد حمصٍ تَغرُّ المرءَ أوطانُ؟
تلك المصيبةُ أنست ما تقدّمها
وما لها مع طولَ الدهرِ نسيانُ
يا راكبين عتاقَ الخيلِ ضامرةً
كأنها في مجالِ السبقِ عقبانُ
وحاملين سيوفَ الهندِ مرهفةً
كأنها في ظلامِ النقعِ نيرانُ
وراتعين وراء البحرِ في دعةٍ
لهم بأوطانهم عزٌّ وسلطانُ
أعندكم نبأٌ من أهل أندلسٍ
فقد سرى بحديثِ القومِ ركبانُ؟
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم
قتلى وأسرى فما يهتزُّ إنسانُ؟
لماذا التقاطع في الإسلام بينكم
وأنتُم يا عبادَ اللهِ إخوانُ؟
ألا نفوسٌ أبيّاتٌ لها هممٌ
أما على الخيرِ أنصارٌ وأعوانُ؟
يا من لذلّةِ قومٍ بعد عزّتهم
أحال حالهم جورٌ وطغيانُ
بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهم
واليوم هم في بلادِ الكفرِ عبّادُ
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم
عليهم من ثيابِ الذلِّ ألوانُ
ولو رأيتَ بكاءهم عند بيعهم
لهالكَ الأمرُ واستهوتكَ أحزانُ
يا ربَّ أمٍّ وطفلٍ حيل بينهما
كما تفرّقتْ أرواحٌ وأبدانُ
وطفلةٍ مثل حسنِ الشمسِ إذ طلعت
كأنما هي ياقوتٌ ومرجانُ
يقودها العلجُ للمكروهِ مكرهةً
والعينُ باكيةٌ والقلبُ حيرانُ
لمثل هذا يذوبُ القلبُ من كمدٍ
إن كان في القلبِ إسلامٌ وإيمانُ
والحبكة في مقالي هذا هي: هل تعلمون أن هذه المرثية لم تُحرّك قلوب المسلمين كثيرًا في ذلك الزمن، إذ كانوا عاجزين عن فعل شيء لإخوانهم المستضعفين، وما قُدّم من مساعدات لم يكن بالقدر الذي كان من المفترض أن يُقدّم.
وهنا لا يمكن بأي حال من الأحوال مقارنة ذلك بما قدمه حاكم الجزائر العثمانية خير الدين باشا بعد سنوات من سقوط الأندلس، وبأمر من السلطان سليمان القانوني، حيث ساهم خير الدين في إنقاذ آلاف المسلمين المستضعفين، وأخذهم على متن سفن الأسطول الجزائري، وقفل بهم راجعًا إلى حيث الأمن والأمان، إلى بلاد الجزائر المحروسة.
إذن بقيت هذه المرثية طيّ الكتمان لدى العثمانيين، وبقيت باللغة العربية، إلى أن استدعت الحاجة إلى ترجمتها سنة 1903م في عهد السلطان عبد الحميد الثاني.
إن ترجمة ونشر مرثية الأندلس لم تكن حدثًا أدبيًا منفصلًا عن ظروف الدولة العثمانية في أواخر عهد السلطان عبد الحميد الثاني؛ فقد جاءت في مرحلة كانت فيها الدولة تواجه ضغوطًا دولية متزايدة، وتتعرض لتنافس القوى الأوروبية، فضلًا عن تصاعد الحركات القومية داخل أراضيها.
في هذا السياق، اكتسبت قصة سقوط الأندلس معنى جديدًا؛ إذ لم تعد مجرد ذكرى تاريخية لانتهاء الحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، بل أصبحت مثالًا يُستحضر للتحذير من مخاطر التفكك الداخلي، وتدخل القوى الخارجية، وفقدان عناصر القوة السياسية والحضارية.
وقد كان السلطان عبد الحميد الثاني يعيش مرحلة دقيقة، تكالبت فيها القوى الأوروبية على الدولة العثمانية، خاصة بعد الأزمات التي شهدها عهده في البلقان والشرق، لذلك اكتسبت النصوص التاريخية التي تستعيد تجارب الانهيار السابقة أهمية خاصة، باعتبارها وسيلة للتذكير بدروس التاريخ وتعزيز الوعي بوحدة الأمة وضرورة مواجهة التحديات الخارجية.
وهكذا فإن الاهتمام بمرثية الأندلس في مطلع القرن العشرين لم يكن مجرد حنين إلى ماضٍ بعيد، بل جاء في لحظة تاريخية كان فيها العثمانيون يبحثون في صفحات التاريخ عن العِبر التي تساعدهم على فهم أزمتهم الراهنة.
هنا من الواجب عليّ أن أطرح سؤالًا، ولكم أنتم القراء أن تجيبوا عنه: إلى متى ونحن نعطي ظهورنا للأحداث المفصلية المصيرية التي تعيشها أمتنا الإسلامية، وفي مقدمتها ما يحدث في فلسطين الجريحة، وآخر قلاع المقاومة فيها غزة المكلومة (غرناطة عصرنا)؟ وإلى متى نحتقر تاريخنا عندما يحرك فينا الضمير، ويشحذ فينا الهمم، ويعطينا مفاتيح النجاة والانتصار، ونحبه عندما يحوله الدراويش هنا وهناك إلى حكايات وأحاجي تزيد أمتنا في أمد سباتها، وتغطي أعيننا نحن أفراد هذه الأمة بغشاء من الذل والاستكانة والهوان؟
